النويري

186

نهاية الأرب في فنون الأدب

الأمين نودي في الناس كلهم بالأمان ، ودخل طاهر المدينة يوم الجمعة وصلَّى بالناس . وحكى عن إبراهيم بن المهدى قال « 1 » : كنت مع الأمين لما حصره طاهر ، فخرج ليلة يريد الفرجة لما هو فيه من الضيق ، فصار إلى قصر بناحية الخلد ، ثم أرسل إلىّ فحضرت عنده ، فقال : ترى طيب هذه الليلة وحسن القمر في السماء وضوء في الماء - وكان على شاطئ دجلة - فهل لك في الشرب ؟ فقلت : شأنك ، فشرب رطلا وسقانى آخر ، ثم غنّيته ما كنت أعلم أنه يحبّه ، ثم دعا بجارية اسمها ضعف فتطيّرت من اسمها ، فقال لها غنّى فغنّت شعر الجعدي : كليب لعمري كان أكثر ناصرا وأيسر حزما منك ضرح بالدم فتطيّر من ذلك وقال : غنى غير هذا ، فغنّت : أبكى فراقهم عيني فأرقّها إن التفرّق للأحباب بكَّاء ما زال يغدو عليهم ريب دهرهم حتى تفانوا وريب الدهر عدّاء فسبّها ، وقال : أما تعرفين من الغناء غير هذا ، ثم غنّته : أما ورب السكون والحرك إن المنايا كثيرة الشرك الأبيات الأربعة ، فغضب ولعنها فقامت ، وكان له قدح من بللَّور حسن الصنعة ، فعثرت به فكسرته ، فقال لي : ويحك يا إبراهيم ! ما ترى إلى ما جاءت به هذه الجارية ! ! واللَّه ما أظن أمرى إلا قد قرب ، فقلت : يديم اللَّه ملكك ويعز سلطانك ويكبت عدوّك ، فما استتمّ الكلام حتى سمعنا صوتا * ( قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيه تَسْتَفْتِيانِ « 2 » ) * ، فقال يا إبراهيم : أما سمعت ما سمعت ! ! قلت ما سمعت شيئا ، فقتل بعد ليلة أو ليلتين .

--> « 1 » راجع كمامة الزهر ص 246 ، ص 247 ، وهذه القصة في الأغانى ج 4 ص 186 مع اختلاف في التعبير وفى الشعر ، ورواية المؤلف في الشعر لا تتفق مع رواية الأغانى إلا في البيت الأول وإن كان مضمونها واحدا . « 2 » راجع سورة يوسف من آية 41